محمد حسين هيكل

352

حياة محمد ( ص )

وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) « 1 » . وظاهر ما في قتل الأخ أخاه من استئثار وحسد وقسوة طبع وغلظ كبد . لكن الأخ التقيّ الذي يخاف اللّه لم يرد ، حين قال له أخوه : لأقتلنّك ، أن يستغفر اللّه له ، بل قال له : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ، وهذه غلبة الطبيعة الإنسانية ومنطق القصاص على السموّ الروحي وجمال العفو . وكثر بنو آدم على الأرض وأرسل اللّه إليهم النبيين مبشرين ومنذرين . لكنّهم أصرّوا على ضلالهم ، وبقيت حياتهم الروحية جامدة وقلوبهم مقفلة . أرسل نوحا إلى قومه فنادى فيهم : أن لا تعبدوا إلا اللّه إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ، فكذّبه قومه وما آمن معه إلا قليل . وتواترت النبوّات بعد نوح ، وتواترت الرسالات بالدعوة إلى اللّه وحده ؛ فتغلب جمود الناس عليها وقعدت عقولهم دون إدراكها واتخذوا من مظاهر الخلق آلهة . وكلما جاءهم رسول من عند ربهم ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون . لكن جمودهم تزعزع بتواتر الرسالات التي كانت بذورا صالحة أبطأ نباتها ، غير أنها تركت مع ذلك أثرها . وهل ذهبت كلمة الحق ضياعا أو هباء في يوم من الأيام ! . ولئن دفع الغرور الناس لينأوا بجانبهم عنها وليستهزئوا أكثر الأمر بصاحبها لقد كانوا يستعيدونها إذا خلوا إلى أنفسهم يسألونها عن مبلغ الحق فيها . وكان الذين يدركون ما تنطوي عليه من حق قلة وكانوا يستكبرون . كانت مصر على عهد الفراعنة يؤمن كهنتها بالوحدانية ، ويعلّمون الناس غيرها ويعددون لهم آلهتهم . وإنما دعاهم إلى ذلك حرصهم على الاحتفاظ بسلطانهم على الناس وجاههم فيهم ؛ حتى لقد حاربوا موسى وأخاه هارون حين جاآ يدعوان فرعون إلى اللّه ويطلبان أن يرسل معهما بني إسرائيل . ويذكر القرآن نبأ هؤلاء الأنبياء الذين تعاقبوا على الإنسانية أجيالا طوالا فظلّت ممعنة في الضلال إلا قليلا هدى اللّه إلى الحق . وفي قصص الأنبياء ظاهرة يقف عندها النظر ، ويحسن بنا ، لبيانها ، أن نرجع إلى عهد موسى وعيسى وما كان بعدهما من رسالة محمد عليه السلام . حكم العقل والإيمان بالخوارق هذه الظاهرة هي الانفصال أو ما يشبهه أول الأمر بين حكم العقل ومنطقه والإيمان القائم على المعجزات والخوارق . فقد آزر اللّه كلا من أنبيائه بمعجزة لقومه حتى يصدقوه ، ولم يصدقه مع ذلك منهم إلا القليل . ولم تكفهم عقولهم ومنطقها ليدركوا أن اللّه خلق كل شيء ، وأنه الملك الحق لا إله إلا هو . ولمّا قضى اللّه أن يبعث موسى من مصر ، خرج منها قبل بعثه خائفا يترقب حتى ورد ماء مدين وتزوّج من أهلها . فلما أذن اللّه له أن يعود ( . . . نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ . اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) « 2 » . ولم يؤمن سحرة فرعون بدعوة موسى حتى لقفت عصاه ما صنعوا . إذ ذاك ألقي السحرة سجّدا قالوا : آمنّا بربّ هارون وموسى . ومع ذلك ظلّ بنو إسرائيل في غيهم حتى قالوا لموسى أرنا اللّه جهرة . ولما قبض موسى عادوا يذكرون عبادة العجل . وجاءهم

--> ( 1 ) سورة المائدة الآيات من 27 - 32 . ( 2 ) سورة القصص آيات من 30 إلى 32 .